منوعات تاريخية

ثورة زيد بن علي بن الحسين

رحلة سيد الشهداء(ع) من المدينة إلى كربلاء

 

 

ثورة زيد بن علي بن الحسين

 

إن زيد ابن علي هو حفيد الإمام الحسين(ع) ولقد كان من الدعاة إلى الحق والعدل ومحاربة الظلم ولقد قام بثورة ضد الظلم وكانت تلك الثورة المباركة قبساً من ثورة جده الحسين.

وعندما خرج إلى الجهاد في سبيل ربه ومقاومة الطغاة والجبابرة قال للناس: إني أدعوكم إلى كتاب الله وإحياء السنن وإماتة البدع فإن تسمعوا يكن خيراً لي ولكم وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، وفي موضع آخر قال زيد بن علي لجماعة من المسلمين: أما ترون إلى هذه الثريا، أترون أن أحداً ينالها، فقالوا له لا يا ابن رسول الله فقال: وددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع وأتقطع قطعة قطعة وأن يجمع الله بين أمة محمد على الحق والهدى:

ومن خلال هذه الكلمات يظهر لنا بكل وضح سمو أهداف زيد من تلك الثورة التي أراد من ورائها ما أراده جده الحسين من ثورته في كربلاء، فلقد كان هم زيد أن يجمع أمة رسول الله على الهدى والصلاح وأن يقضي على البدع ويئدَ الفتن التي قضى عليها الإسلام عند ظهوره على يد خير البرية ثم أحييت تلك البدع على أيدي الأمويين وأعيدت في عهدهم بأسوأ مما كانت عليه في الجاهلية التي أولدت أباسفيان وأبا جهل وغيرهما من عتاة البشر، ولأجل هذا تحرك حفيد الحسين نحو إصلاح الأمور العامة والخاصة وعمل على جمع شمل الأمة بعد أن تفكك في عهد الطغاة، لقد كانت روحه سخية بالبذل في سبيل الأمة وتتويجها بالهدى والرشد والصلاح كما كان هم جده الأكبر علي بن أبي طالب الذي كان يقول: والله لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا عَليَّ خاصة: فلقد حمل زيد بن علي عبأ عملية الإصلاح وقد استجاب لأهل الكوفة حينما طلبوا منه أن يقاتل بهم فاستجاب لهم فخذلوه وقُتل بسبب خذلانهم كالعادة وانضم إلى قافلة الشهداء شهيد جديد من سلالة العترة الطاهرة.

لقد وُلد زيد بن علي بن الحسين سنة ثمانين للهجرة واستشهد سنة مئة واثنتين وعشرين في عهد هشام بن عبد الملك، ويذكر المؤرخون أنه عند ولادة زيد جاء البشير ليبشر الإمام السجاد بوليده الجديد فتفاءل الإمام(ع) بالمصحف الشريف، فكانت الآية: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وفتحه مرة ثانية فكانت الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون: وفتحه مرة ثالثة فكانت الآية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين: فطوى الإمام المصحف وقال: عزائي عن هذا المولود الجديد أنه من الشهداء في سبيل الله: ولقد ترعرع زيد في ذلك البيت العظيم الذي منه خرج العلم إلى الناس فلقد نشأ وورث العلم عن أبيه وجده وقد انصرف إلى تحصيل العلوم حتى أصبح في عهده من أكبر المراجع في شتى المواضيع والميادين لقد كان عهده بداية انطلاقة جديدة في التفسير والمعتقدات والآراء الغريبة التي اكتسبها المسلمون من غيرهم بسبب اختلاطهم بمن كان يغزوهم بين الحين والآخر، وقد لازم أخاه الباقر مؤسس جامعة أهل البيت فترة من الزمن وقد أجمع الذين عاصروا زيد بن علي أنه كان عالماً غزير العلم محيطاً بشتى العلوم الإسلامية وكان راوياً لحديث أهل البيت وقد تتلمذ على يديه في الكوفة أكثر العلماء.

وقد روى المؤرخون بأن عبد الله بنَ الحسن بن الحسن السبط قال للحسين بن زيد وهو يعظه وينصحه: وأنه قد توالى لك آباء وأن أدنى آبائك زيد بن علي الذي لم أر فينا ولا في غيرنا مثله: وجاء عن الإمام الرضا(ع) أن زيد بن علي كان من علماء آل محمد: وكان سفيان الثوري محدث الكوفة وواعظها إذا ذكر زيداً  بكى على ما فقده العلمُ بفقده وعلى ما فقده التقى والفضل بإصابته، وكان زيد بن علي على صلة بواصل بن عطاء شيخ المعتزلة حيث كان يناظره في بعض أفكارهم وكان ابن عطاء يجله ويحترمه لمكانته الفكرية والعلمية والدينية، وقد اتهمه بعضهم بأنه كان معتزلياً لأنه كان يجلس معهم ويحاورهم فلقد كانت نيته من الجلوس معهم إقناعهم بالحق وإرجاعهم إلى الصواب ليس أكثر وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولكن الحق هو أن زيداً أخذ العقائد عن آبائه وأجداده الذين كانوا منبع الأصول والعلم.

لقد كانت الدعوة إلى العلويين في عصر زيد بن علي تنمو في جو من التكتم بعد فشلِ الإنتفاضات التي حصلت في عهد عبد الملك بن مروان ويزيد بن عبد الملك، وقد اتسعت هذه الدعوة في عهد هشام ابن عبد الملك وقد كانت الكوفة المقر الرئيسي للدعوة، ومنها انتقلت إلى خراسان التي ذهب إليها الدعاة بدعوى التجارة، ويقول ابن الأثير في الكامل أن ميسرة داعي الهاشميين قد أرسل رسله إلى خراسان سنة مئة وإثنين للهجرة فقبض عليهم واليها حين تسربت أخبارهم فأنكروا تلك التهمة وقد أطلق سراحهم بعد فترة حينما تعهدت جماعة من ربيعة بكل ما يصدر منهم، وقد أمر هشام ابن الحكم عامله على العراق أن يبقى متيقظاً من تلك الوفود العلوية لأنه يعرف مدى حب الناس للعلويين ولم يكن لينسى المنظر الذي رآه حول الكعبة عندما تهافتت الناس لتتبرك من الإمام زين العابدين فلقد صغّر هذا النظر نفسه عند نفسه وعلم بأنه لم يستطع أن يملك قلباً واحداً من قلوب الناس، وكيف أن الناس رغم الإزدحام الشديد كيف انفرجت عن الحجر الأسود ومهدت له الطريق ليصل إليه من دون أن يزعجه أحد بينما لم يستطع هشام أن يصل إليه حيث لم يعره أحد أي اهتمام وهو حاكم وابن حاكم.

وقد كان هشام ابن الحكم مطمئناً للأوضاع في العراق بسبب الرقابة الشديدة التي فرضها وُلاته في البصرة والكوفة ولكن هذا الإطمئنان قد تبدد عندما علم هشام بأن زيد بن علي يتردد على الكوفة ويجتمع الناس حوله يشكون له ممارسات الأمويين، فلقد أصبح هم هشام أن يراقب تحركات زيد حيث شعر بالخطر الذي بات يهدد كيانه بسبب تحركات زيد الذي كان مرموقاً في الأوساط الإسلامية، فبحث هشام عن سبيل يُلقي به زيداً في السجن ويتخلص من القلق الذي أصبح مسيطراً عليه فلم يجد لذلك سبيلاً، ولكنه اتجه إلى التشنيع بالعلويين، وقد اتهم هشام زيد بن علي تهمة باطلة بهدف التشنيع به وعندما ثبتت للناس براءته من تلك التهمة قرر أن يترك الكوفة ويذهب إلى المدينة فرجع وبينما هو بالقادسية لحق به جماعة من أهل الكوفة واستجاروا به من جور الأمويين وأكدوا له بأن هناك أربعين ألف مقاتل سيضربون بسيوفهم بين يديه إن هو سمع منهم وعاد إلى الكوفة وقد أعطوه العهود على ذلك فقال لهم: إني أخاف أن تفعلوا معي كما فعلتم مع آبائي ثم استمهلهم وتابع السير نحو المدينة.

فدخل المدينة وراح خالد بن عبد الملك يبالغ في إيذائه وكان زيد بن علي يكتب إلى هشام ابن عبد الملك في هذا الشأن فكان هشام يُرجع إليه الكتاب وقد كتب له عليه في الأسفل إرجع إلى خالد بن عبد الملك في المدينة، فذهب زيد إلى الشام لمقابلة هشام وبقي فيها أياماً يستأذن بالدخول على هشام فلم يأذن له بقصد الإذلال ولكن بعد الإلحاح أذن له هشام بالدخول بعد أن أوصى جميع جلسائه بأن لا يفسحوا له في المجلس بهدف الإذلال فدخل زيد فبادره هشام ابن عبد الملك فقال: ما فعل أخوك البقرة، يقصد بذلك الإمام الباقر(ع) فرد عليه زيد بقوله: أنت تسميه البقرة ورسول الله لقد سماه الباقر…لتُخَالِفنّه في الآخرة كما خالفته في الدنيا وستردُ النار ويرد الجنة: ثم قال له هشام بَلَغني أنك تذكر الخلافة وأنت ابن أمة؟ فرد عليه زيد قائلاً إن الأمهات لا يَقعُدن بالرجال عن الغايات لقد كانت أم إسماعيل أَمة لأم إسحق فلم يمنع ذلك أن بعث الله منها نبياً وجعله أباً للعرب وأخرج من صلبه خير الأنبياء، فغضب هشام وأمر بضربه ثمانين سوطاً فخرج من مجلسه وهو يقول: ما أحبَّ امرؤٌ الحياة إلا ذل:

ويروي ابن الأثير أنه عندما أمره بالخروج من مجلسه وشتم أمه قال له زيد بن علي: سأخرج ولا أكون إلا حيث تكره:

لقد خرج زيد من مجلس هشام وهو يدرك بأن جلادي هشام سوف يلاحقونه من مكان إلى مكان فذهب إلى العراق وكان جماعة من الناس قد نصحوه بعدم الإطمئنان لأهل الكوفة، وقد قال له داود بن عبد الله بن العباس: يابن العم إن هؤلاء يُغرونك من نفسك أليس قد خذلوا من كان أعزَّ عليهم منك جدَّك علياً والحسن من بعده بعد أن بايعوه ثم وثبوا عليه وانتزعوا رداءه وطعنوه في فخذه أوليس قد ضربوا جدك الحسين ثم خذلوه وأسلموه ولم يكتفوا بذلك حتى قتلوه فلا تأت الكوفة إني أخاف عليك إن ذهبتَ إليهم أن لا يكون أحد أشدَّ عليك منهم:

ثم راح زيد يجمع الناس ويعبؤهم للقتال بضعة أشهر، ثم اتفق مع زعماء أصحابه على الخروج في صفر سنة مئة واثنين وعشرين للهجرة، فعلم هشام بهذا التحرك فأمر واليه أن يطلب زيداً ومن عاهده على القتال، وعندما رأوا تحرك الوالي تراجعوا عن قرارهم وخذلوا زيداً كما خذلوا آباءه من قبل، وعندما رأى زيد هذا الخذلان ألقى الحجة عليهم وقال لهم: وإني أدعوكم إلى العمل بالكتاب وإحياء السنة وإماتة البدع فإن تسمعوا يك خيراً لي ولكم وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل: فرفضوه ونقضوا بيعته:

فلقد رفضوا نصرته في ذلك الوضع الحرج وكانوا أربعين ألفاً ولم يبق معه سوى مئتين وثمانية عشر رجلاً فراح من بقي معه ينادون في أهل الكوفة: يا أهل الكوفة أخرجوا من الذل إلى العز وإلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا دنيا فلم يبق في ساحة المعركة سوى زيد ومن بقي معه فقال: واللهِ لأقاتلن حتى الموت: وبدأ القتال العنيف بين الفئتين مع غياب التكافؤ العسكري فتقد أحد أنصار هشام واقترب من زيد وشتم علياً والزهراء، فبكى زيد وقال أما فيكم أحد يغضب لفاطمة بنت محمد؟ فتقدم أحدهم يستر سيفه من ذلك الشخص الذي شتم الزهراء فضربه على عنقه فسقط رأسه إلى الأرض، وعندما رأى أنصار زيد ذلك ذهبوا إلى الرجل وأنقذوه من أيدي الأمويين وأتوا به إلى زيد فقبّله ودعا له بالجزاء الحسن، وفيما كان زيد يقاتل مع أصحابه أتاه سهم من الأعداء فأصاب جبهته فأرجعه أصحابه إلى أحد البيوت واستدعوا له طبيباً فقال له الطبيب إني أخاف إن أخرجت السهم من جبهتك أن تموت فقال له زيد الموت أعهون عليّ مما أقاسيه من الآلام فلما انتزع السهم من جبهته فاضت روحه الشريفة.

الشيخ علي فقيثه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى